في عام 1932 اكتشف العالم الإنجليزي جيمس شادويك النيوترون، وهو جسيم داخل نواة الذرة بجانب البروتون، ونال على ذلك جائزة نوبل في الفيزياء عام 1935. النيوترون متعادل الشحنة، وبسبب هذه الميزة باستطاعته اختراق النواة وشطرها، وأول من شطر النواة باحثان من ألمانيا، هما أوتو هان، وفريتز ستراسمان، وذلك بقذف نواة اليورانيوم بالنيوترونات، وحصلوا على عنصر أخف من اليورانيوم، ولم يعلموا التفسير الحقيقي لهذه النتائج، فأخبروا زميلتهم السابقة العالمة ليز مايتنر التي فرت من ألمانيا إلى السويد، خوفا من النازية بسبب أصولها اليهودية، استطاعت ليز تفسير تلك الظاهرة، وبينت أن تلك التجربة أثبتت إمكانية شطر النواة، وتحرير كم هائل من الطاقة، ويمكن حسابها باستخدام معادلة أينشتاين الشهيرة، وأخبرت بذلك ابن أختها الذي كان يعمل مع العالم الكبير نيلز بور في الدنمارك، وفور علم بور بالخبر، طار إلى الولايات المتحدة، ليجتمع مع العالمين الإيطالي إنريكو فيرمي، والمجري ليو زيلارد، خشى زيلارد من أن يتمكن الألمان من صنع قنبلة ذرية، فكتب خطابا محذراً فيه الرئيس الأمريكي روزفيلت مما قد يتوصل إليه الألمان، و«توسط» بأنشتاين ذائع الصيت آنذاك، اقتنع الرئيس ووافق على البدء ببرنامج لصنع القنبلة الذرية، فكان مشروع مانهاتن.

توج المشروع بإلقاء قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناجازاكي في السادس والتاسع من أغسطس من العام 1945، وسبب اختيار أغسطس هو الأحوال الجوية الملائمة للطيران، حتى أن ناجازاكي لم تكن هدفاً للقنبلة الثانية، وإنما مدينة كوكورا الصناعية، ولكن بسبب الغيوم الكثيفة عليها غيرت الطائرة مسارها إلى الهدف الرديف «ناجازاكي».

تختلف القنبلتان من حيث المادة الانشطارية والتصميم، فقنبلة هيروشيما احتوت على 60 كجم من اليورانيوم -235 عالي التخصيب وسميت بـ «الفتى الصغير»، بينما في قنبلة ناجازاكي «الرجل البدين» كانت المادة الانشطارية 6 كجم من البلوتونيوم -239، وفي كلا القنبلتين هناك مصدر للنيوترونات التي تعمل كقادح للقنبلة، غالباً بولونيوم -210 «يستخدم أيضاً في تسميم السياسيين»، النيوترون هو مفتاح السر في الطاقة النووية، فبدونه لن نستطيع شطر النواة وإخراج طاقتها، كل نواة تنشطر ينطلق منها 3 نيوترونات إضافية، والتي بدورها تشطر 3 أنوية أخرى، وهكذا تستمر العملية التي تسمى تفاعلاً متسلسلاً إلى أن تنشطر معظم النوى في القنبلة وبلمح البصر.

ألقيت القنبلتان من قاذفة بي -29 تصحبهما طائرتان للرصد والتصوير، وتم تفجيرهما على ارتفاع 500 متر تقريبا من سطح الأرض، وذلك لمضاعفة ضغط الانفجار عند ارتداده من سطح الأرض، ولتعطيل أجهزة اللاسلكي والإلكترونيات عموماً بالموجات الكهرومغناطيسية الناتجة عن الانفجار.

هذا الانفجار النووي يتسبب أولا بارتفاع كبير في درجة الحرارة لتصل إلى ملايين الدرجات المئوية، وكذلك في زيادة الضغط الجوي.

هذا الاختلال ينتج عنه موجة صدمية تنطلق في كل الاتجاهات مدمرةً المباني والممتلكات، وزيادة في سرعة الرياح لتتجاوز سرعة الصوت (1200 كم/‏الساعة) مقتلعةً كل ما أمامها من بشر وشجر، تعقبها موجة حرارية عالية تحرق كل ما تمر عليه، يستهلك الانفجار وما يصاحبه من موجات صدمية وحرارية 85 % من الطاقة النووية، وما تبقى يخرج على هيئة إشعاعات جاما ونيوترونات، وغبار ذري محمل بالمواد المشعة يهبط على الأرض.

في حدود 1 كيلو من منطقة التفجير، يؤدي الضغط الشديد إلى تفجير أعضاء الإنسان التي تحتوي على هواء كالرئة والأمعاء والأذن الوسطى. كما أن الضوء المرئي شديد السطوع يتسبب في عمى مؤقت إن لم يحرق العين.

تقدر بعض الإحصائيات ضحايا التفجيرين بأكثر من 200 ألف شخص، ولا يُعلم العدد الفعلي حتى الآن، لأن هناك أناس نجوا من التفجير ولكنهم أصيبوا بالسرطان، ولم يتم الجزم بإن الإشعاع كان سبب ذلك، ومن الطريف ذكر قصة الياباني ياماغوتشي تسوتومو، أحد موظفي ميتسوبيشي الذي كان في مهمة عمل في هيروشيما، وعندما هم بركوب القطار عائداً إلى ناجازاكي، وقع الانفجار، وتسبب له في حروق وعمى مؤقت وصمم، وبعد الانفجار، غادر هيروشيما قاصداً أهله في ناجازاكي، ولسوء الحظ أو حسنه، وقع الانفجار الثاني وهو هناك، ولكنه نجا، وتوفي في 2010 متاثراً بالسرطان عن عمر يناهز 94 عاما، ولا يُعلم إن كان السرطان بسبب القنبلتين أم غيرهما.

تفجير القنبلتين أحدث جدلاً أخلاقياً وسياسياً واسعاً حول استخدام القنابل النووية، هناك عدة نظريات تبرر ذلك العمل، فالبعض يرى أنها ضرورية لإنهاء الحرب، ولحفظ الشعب الأمريكي من الهجمات اليابانية، والبعض الآخر يرى عدم وجود دواعي لها، لأن اليابانيين كانوا على وشك الاستسلام في تلك الفترة، وبالتالي فإن الهدف الحقيقي منها كان فرداً للعضلات، وردعا للروس، وإعلان عن السلاح الأمريكي السري. ثم لماذا مرتين ولم يكتف بهيروشيما فقط، ولهذه عدة احتمالات، أقربها ضرورتها لإثبات القدرة الأمريكية على تصنيع أكثر من قنبلة وأن هيروشيما ليست الوحيدة.

هناك علماء أحسوا بالمسؤولية الأخلاقية، وحاولوا قدر استطاعتهم تجنب استخدام القوة النووية، كان من أشهرهم الفيلسوف المشهور برتراند راسل، والمشرف العلمي على مشروع مانهاتن روبرت أوبنهايمر الملقب بأبي القنبلة النووية الأمريكية، الذي بعد التفجيرات النووية أصبح يردد آية من الكتاب المقدس عند الهندوس «الآن أصبحت أنا الموت، مدمر العالم». لقد كان المحفز لزيلارد وأينشتاين من تحذيرهم لروزفلت هو خوفهم من أن يتوصل النازيون إلى القنبلة، ولكن بعد تأكدهم من عدم قدرة الألمان على ذلك، وإصرار المؤسسة العسكرية الأمريكية على استخدام هذه القوة، أوصوا بعدم تفجير القنبلة النووية الأولى على مدن يابانية مأهولة -على الأقل، وقدموا عريضة للرئيس الأمريكي اقترحوا فيها أن يكون التفجير في جزيرة خالية، فإن لم ترضخ اليابان، فيمكن بعد ذلك تفجير القنبلة الثانية على مدينة ماهولة، ولكن توصياتهم لم تجد لها آذانا صاغية.

في النهاية، استسلمت اليابان عسكرياً ولم تستسلم معنوياً، فقد انخرط الشعب في العمل الجاد لإعادة النهوض باليابان وإعادة مجدها، وحاضرهم خير شاهد على ما فعلوه بعد الحرب.